"أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟": حوار الرجاء يوم ينكشف المستور


 

"أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟": حوار الرجاء يوم ينكشف المستور

مقدمة: لحظة الصمت قبل الحساب

تخيل معي هذا المشهد... انتهت الدنيا، وبُعثر ما في القبور، وحُصّل ما في الصدور. أنت الآن تقف وحيداً، مجرداً من كل شيء: من منصبك، من مالك، من أهلك، ومن كل الأقنعة التي ارتديتها. تقف أمام ملك الملوك، جبار السماوات والأرض، في يوم مقداره خمسون ألف سنة. ثم يُنادى باسمك على رؤوس الخلائق، وتُعرض عليك أعمالك... كل أعمالك.
لحظة يتوقف فيها الزمن، وتتجمد فيها الأنفاس. لحظة تُعرض فيها ذنوب الخلوات، ونظرات الحرام، وكلمات الغيبة، وحقوق الناس التي ضيعتها. يظن العبد في هذه اللحظة أن الهلاك قد حان، وأن لا نجاة. لكن هنا، في ذروة الخوف واليأس، يتجلى اسم الله "الغفور الرحيم" بمشهد يفوق كل تصور.

المشهد الأول: الفضيحة التي تحولت إلى ستر

يصف لنا النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحوار الخاص بين الله وعبده المؤمن، وهو حديث صحيح يرويه البخاري ومسلم، فيقول:
"يُدْنَى أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَرِّرُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ".
لنتوقف ونتأمل تفاصيل هذا المشهد الإلهي العظيم:
  • "يُدْنَى أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ": أنت لست بعيداً. الله بنفسه يُقرّبك إليه. إنه لقاء خاص وحميم، بعيداً عن أعين الخلائق.
  • "حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ": "كنفه" يعني ستره وحمايته. تخيل أن الله العظيم يغطيك بستره حتى لا يراك أحد، حتى لا تُفضح أمام الملأ. يا له من كرم! يبدأ اللقاء بالستر قبل الحساب.
  • "فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟": الله يعرض عليك ذنوبك، ذنباً ذنباً. ذنوب ربما نسيتها أنت، لكنها لم تُنسَ في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى. إنه التقرير الكامل، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة.
  • "فَيَقُولُ: نَعَمْ": لا مجال للإنكار أو الجدال. إنه الاعتراف الكامل بالتقصير والذنب، اعتراف يملؤه الخجل والحياء من الله.
في هذه اللحظة، يبلغ قلب العبد من الخوف ما يبلغه، ويوقن بالهلاك. لكن، بعد هذا الإقرار، تأتي المفاجأة التي تهدم كل هذا الخوف...
  • "إِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ": يا الله! يا لها من جملة! "سترتها عليك في الدنيا" فلم يفضحك أمام الناس رغم قدرته، وها هو اليوم، في الموقف الأعظم، لا يكتفي بالستر، بل يعقبه بالمغفرة الكاملة. الفضيحة التي كنت تخشاها تحولت إلى ستر، والهلاك الذي أيقنت به تحول إلى نجاة ومغفرة.


المشهد الثاني: حين تتبدل السيئات حسنات

قد تظن أن الكرم الإلهي يتوقف عند المغفرة، لكن رحمة الله أوسع مما نتخيل. هناك فئة من الناس، التائبين الصادقين، لا يغفر الله لهم فحسب، بل يكافئهم على توبتهم بأن يبدل سيئاتهم نفسها إلى حسنات. يقول الله تعالى في سورة الفرقان:
"إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا".
تخيل أن تأتي يوم القيامة بذنوب كالجبال، فتجدها في صحيفتك قد تحولت بقدرة الله إلى حسنات! كل لحظة عصيت فيها ثم ندمت عليها وتبت منها، تُقلب إلى حسنة في ميزانك. يروي أبو ذر الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً طويلاً عن آخر رجل يدخل الجنة، وفيه هذا المشهد العجيب:
"...فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا. فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا... وَهُوَ مُقِرٌّ لَا يُنْكِرُ، وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِهَا أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ. فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَا هُنَا!".
انظر إلى جمال الموقف! الرجل خائف من كبائر ذنوبه، والله يعرض عليه الصغائر فقط رحمة به. ثم يُفاجأ بأن كل سيئة اعترف بها قد تبدلت حسنة. من شدة فرحته وطمعه في كرم الله، هو الذي يطالب ببقية ذنوبه الكبيرة التي لم يرها، طمعاً في أن تتبدل هي الأخرى حسنات! فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه.

الخلاصة: باب التوبة هو باب الأمل

هذه المشاهد ليست مجرد قصص لتريح قلوبنا، بل هي رسائل عملية تدفعنا دفعاً نحو باب التوبة. هي تخبرنا:
  1. لا تيأس أبداً: مهما بلغت ذنوبك، لا تقنط من رحمة الله. إن الذي يستر ويغفر ويبدل السيئات حسنات، لن يغلق بابه في وجهك وأنت حي تُرزق.
  2. السر في الصدق: مفتاح هذا الكرم هو التوبة الصادقة والعمل الصالح. "إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً".
  3. الحياء من الله عبادة: تذكر دائماً أن الله يراك ويسترك في الدنيا. فليكن هذا الستر دافعاً لك للحياء منه، وترك المعصية شكراً له، لا اغتراراً بستره.
لا تنتظر حتى تقف ذلك الموقف وأنت لا تدري مصيرك. ابدأ من الآن. اعترف بذنوبك بينك وبين ربك في ظلمة الليل، وقل: "يا رب، عملت كذا وكذا، وإني تبت إليك". ناجِ ربك الذي يفرح بتوبتك أشد من فرحة المضيع لراحلته إذا وجدها. فباب التوبة ما زال مفتوحاً، والقلب ما زال ينبض، والله ما زال غفوراً رحيماً.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال